رياضة كمال الأجسام: رحلة البطل علي الهداد من مضمار القوى إلى منصات التتويج
تعد رياضة كمال الأجسام واحدة من أكثر الرياضات التي تتطلب صبراً وجلداً وتضحيات شخصية كبيرة. فهي ليست مجرد تمارين لرفع الأثقال، بل هي نمط حياة متكامل يجمع بين الانضباط الغذائي، والصلابة الذهنية، والتخطيط المستمر. في هذا السياق، تبرز قصة البطل الكويتي علي الهداد كنموذج ملهم يجسد التحول الجذري والنمو في هذا العالم المعقد. فقد انتقل من ممارسة ألعاب القوى إلى احتراف بناء العضلات، محققاً بصمة واضحة في المحافل المحلية والإقليمية.
البدايات: من ألعاب القوى إلى عالم الحديد
بدأت العلاقة بين علي الهداد والرياضة في سن مبكرة، وتحديداً في مضمار ألعاب القوى بنادي العربي الكويتي. كان يمارس تخصصات الرمي (الجلة، القرص، والرمح)، وهي تخصصات تتطلب قوة بدنية كبيرة. إلا أن ميله الفطري كان يتجه نحو بناء الكتلة العضلية. في عام 2008، اتخذ الهداد قراراً محورياً بالانتقال الكامل إلى رياضة كمال الأجسام.
يوضح الهداد أن الانتقال لم يكن سهلاً في البداية؛ فألعاب القوى تتطلب خفة الحركة والسرعة، بينما تركز كمال الأجسام على الضخامة والتفاصيل العضلية. مع ذلك، ظهرت نتائج مذهلة على جسده بعد أشهر قليلة من التدريب، مما أكد امتلاكه لجينات استثنائية تؤهله للمنافسة. يصف الهداد تلك الفترة بأنها كانت تعتمد على “الأكل العام” البسيط مثل الخبز اللبناني والبيض والدجاج. لاحقاً، تعمق في فهم أسرار المكملات الغذائية والجداول الاحترافية.
فلسفة التغذية وتحديات الاستدامة المالية
تحتل التغذية ركناً أساسياً في رياضة كمال الأجسام، وهي الجانب الأكثر تكلفة وإجهاداً للاعب. يشير الهداد إلى أن النظام الغذائي في مرحلة “الضخامة” (Off-season) يختلف جذرياً عنه في مرحلة “التنشيف” (On-season). في مرحلة الضخامة، قد يتناول كميات هائلة من الكربوهيدرات تصل إلى 3 كيلوغرامات يومياً موزعة على ست وجبات. أما في مرحلة التنشيف، يرتفع معدل البروتين لضمان الحفاظ على الكتلة العضلية.
يرى الهداد أن جودة الغذاء هي مفتاح النجاح، حيث يفضل الاعتماد على المصادر الطازجة مثل سمك السلمون واللحوم عالية الجودة بدلاً من المنتجات المجمدة. يوضح أن تكلفة تجهيز الوجبات للاعب المحترف باهظة جداً؛ فقد تصل تكلفة وجبات السمك ليوم واحد إلى مبالغ كبيرة. نتيجة لذلك، تصبح الرعاة والسبونسرات ضرورة حتمية للاستمرار في هذا المسار المكلف الذي قد يتجاوز 4000 دينار في فترات التجهيز للبطولات.
المنهجية التدريبية: المدرسة القديمة مقابل الحداثة
في ظل انتشار أساليب التدريب الحديثة مثل “Push-Pull-Legs”، يظل علي الهداد وفياً للمدرسة القديمة في التدريب. تعتمد فلسفته التدريبية على استهداف كل عضلة بزوايا مختلفة وتكرارات مركزة مع أوزان ثقيلة. كما يركز الهداد في جدوله على تقسيم العضلات (صدر وتراي، ظهر وباي، أكتاف، أرجل)، مع تكثيف العمل على العضلات الضعيفة مرتين في الأسبوع.
يؤكد الهداد أن التكنيك الصحيح والوزن الثقيل هما العمود الفقري للتطور العضلي، محذراً من الانجراف خلف “الصرعات” التدريبية التي تفتقر إلى الأساس العلمي القوي. بالنسبة له، فإن الاستمرارية في اتباع جدول ثابت مع زيادة الأحمال تدريجياً هي ما يصنع الفارق الحقيقي على المسرح.
أضرار الهرمونات: رسالة تحذيرية للجيل الجديد
من أكثر المواضيع إثارة للجدل في رياضة كمال الأجسام هو استخدام المواد المنشطة. يمتلك الهداد موقفاً حازماً وشجاعاً في هذا الجانب، حيث يعترف بتجربته الشخصية المبكرة التي بدأت في سن الثامنة عشرة. لكنه اليوم يحذر بشدة من هذا الطريق.
يشدد الهداد على أن تعاطي الهرمونات لمن هم دون سن الـ 21 يعد “دماراً شاملاً” لكافة أعضاء الجسم، بما في ذلك القلب والكبد والمخ. كما يتطرق إلى التداعيات النفسية الخطيرة، مثل العصبية المفرطة وتغير الحالة المزاجية والاضطرابات التي قد تصل إلى التأثير على العلاقات الأسرية. وهو يستشهد بقصص حقيقية لحالات طلاق وانفصال كان الهرمون سببها الرئيسي. ينصح الهداد الشباب بالتركيز على المكملات الغذائية والتدريب الطبيعي، وعدم الدخول في نفق المنشطات إلا إذا كان الهدف هو الاحتراف العالمي والمنافسة في مستويات مثل “مستر أولمبيا”.
مسيرة البطولات والتألق في فئة الفيزيك
شهد عام 2019 الانطلاقة الحقيقية لعلي الهداد في عالم البطولات، حيث شارك في بطولة “كويت كلاسيك” وحصد المركز الرابع في أول ظهور له. كانت هذه البداية كافية لجذب الأنظار إليه، خاصة وأنه نافس أبطالاً مخضرمين. لاحقاً، في بطولة “كويت برو”، حقق الهداد إنجازاً تاريخياً بفوزه بالمركز الأول في فئتين (الماستر والأوبن). هذا ما عزز شهرته وجعل الشركات تتسابق لرعايته.
يختار الهداد المنافسة في فئة “الفيزيك” (Physique) لعدة أسباب، أهمها ملاءمة جيناته لهذه الفئة وشعبيتها الكبيرة بين الجمهور. مع ذلك، يدرك أن الانتقال لفئات أخرى مثل “الكلاسيك فيزيك” يتطلب منه عملاً شاقاً على عضلات الأرجل لمدة لا تقل عن سنتين. لهذا السبب يفضل التميز في فئته الحالية في الوقت الراهن.
المسؤولية الاجتماعية للمؤثر الرياضي
مع تزايد شهرته عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يدرك علي الهداد حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه. يرى الهداد أن “المؤثر” الحقيقي هو من يترك أثراً طيباً في نفوس متابعيه. كما يحرص دائماً على الرد على استفسارات الشباب، خاصة أولئك الذين يعانون من مشاكل الوزن أو يبحثون عن نصائح صادقة بخصوص التدريب.
يؤمن الهداد بأن الكلمة الطيبة قد تنقذ إنساناً من الإحباط أو حتى الانتحار، ويرى أن التواضع هو مفتاح البقاء في قلوب الناس. فمهما بلغت شهرة اللاعب، يظل حبه للناس وتوجيههم نحو الطريق الصحيح هو الإنجاز الأكبر. هذا الإنجاز يتجاوز الميداليات والكؤوس.
الإرادة مقابل الحلول السهلة
ينتقد الهداد بشدة التوجه الحديث نحو استخدام عقاقير سد الشهية مثل “منجارو” أو “ريتا” لتسهيل عملية التنشيف. من وجهة نظره، فإن لذة الفوز في رياضة كمال الأجسام تكمن في المعاناة والجوع ومقاومة المغريات. يرى أن الشخص الذي يلجأ لهذه الحلول السهلة يفقد طعم الإنجاز. في النهاية، الإرادة هي ما يصنع البطل، وليست الأدوية التي “تطفئ المخ” وتسلب الرياضي متعة التحدي الذاتي.
خاتمة
إن رحلة علي الهداد في رياضة كمال الأجسام هي قصة إصرار بدأت من ملاعب القوى البسيطة وصولاً إلى قمة المنافسة الاحترافية. وتكشف تجربته أن النجاح في هذا الميدان يتطلب توازناً دقيقاً بين العلم والجهد البدني والمسؤولية الأخلاقية. تبقى نصائحه حول مخاطر الهرمونات وأهمية التغذية الطبيعية منارة للشباب الطامحين لبناء أجسام قوية وصحية. ويؤكد أن العضلة التي تُبنى بالعرق والالتزام هي الوحيدة التي تمنح صاحبها الفخر الحقيقي.





